نشارككم تجربتنا

سافرت وحدي

بداية لم اعتقد أن هناك متعة في السفر وحيدا دون صحبة أو رفقة تأنسهم، لكن شاءت الظروف أن أسافر وحدي وكانت أول سفراتي وحدي إلى دبي (ولو أني لا أستطيع أن اسميها كذلك)، فقد كنت حقيقة بين أهلي، ورغم أن مدة الرحلة حسبما تمت الترتيب له 4 أيام فقط، إلا أنني قمت بتمديدها من دبي إلى أسبوعين، وقد كانت أيضا أول رحلاتي إلى دبي، ولم أشعر خلالها أني وحدى سوى أني كنت حراً في تخطيط يومي أفعل ما أريد وقتما أريد وبالطريقة التي تناسبني، ونصيحتي لمن يرغب تجربة السفر وحده يمكنه أن يبدأ برحلة للإمارات أو أي دولة خليجية أو عربية ليحدد ما إذا كان سيناسبه هذا الأمر أو لا، توالت الرحلات بعد ذلك لعدد من دول الخليج ثم بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، ثم سافرت إلى الأردن ومصر (رغم أني لم أشعر بالوحدة في الدول العربية عموما) ثم وصلت إلى تايلند وكوريا الجنوبية وغيرها.

السفر وحيداً تجربة مختلفة تتخللها المتعة والمغامرة والاختلاط بأشخاص لم تكن لتختلط بهم لو كنت برفقة أصدقاء أو أقارب، ومع كل رحلة وحيدا كانت تزداد متعتي بالرحلة عما سبقها من رحلات لأني تعلمت الطرق التي تجنبني سلبيات السفر وحدي سواء بملء وقت الفراغ بأنشطة سياحية مناسبة، أو اكتشاف طرق جديدة للاختلاط والحديث مع  السكان المحليين أو السياح الذين اقابلهم خلال الرحلة، ومن خلال هذه التجارب وجدت في السفر وحيدا الكثير من المزايا والكثير أيضا من العيوب التي استطعت التغلب على بعضها، إلا أن البعض الآخر استطاع التغلب علي، وكان أسوأها على الإطلاق عارض صحي أصابني خلال رحلة إلى برشلونة، وعلى الرغم من أن المشكلة لم تستمر أكثر من نصف يوم تقريبا إلا أن حالتي النفسية وشعوري بالوحدة آنذاك كانت أسوأ بكثير من العارض الصحي نفسه، إلا أن هذا لم يتسبب بتوقفي عن سفري وحيدا، ليس لأني أحب الوحدة أو لا أحب الناس على العكس، فمن اجمل ما وجدته بالسفر وحدي هو الشعور الداخلي الذي يدعوك للحديث مع الناس وبالتالي التعرف على أشخاص جدد، تبادلت الحديث مع العديد من الأشخاص من دول وأعراق وشعوب مختلفة بدء من اليابان وكوريا وماليزيا والهند في الشرق إلى إيطاليا واسبانيا والسويد والبرتغال في أوروبا وصولاً إلى أمريكا وأمريكا الجنوبية، تعرفت على أشخاص ذوي اهتمامات وميول مختلفة منهم الفنان ومنهم المزارع والمدرس والدبلوماسي والكيميائي والعامل في أحد المصانع، وكانت أكثر المهن غرابة مسوق لشركة تصنع أجهزة تجسس استخباراتية!!، ومن الحوادث الغريبة التي مرت علي أيضا عندما علمت فتاة من كوريا الجنوبية بمجال عملي بالصدفة عن طريق شخص كنت اتحدث معه، واصرت على النقاش والحوار حول موضوع محدد رغم عدم وجود لغة مشتركة بيننا فلا هي تعرف الإنجليزية ولا أنا اعرف الكورية، ودار كل الحديث عبر شخص امريكي يجيد اللغة الكورية كان متواجد معها، إضافة إلى لغة الإشارة.

اكتسبت من أحاديثهم تجارب وخبرات لم أكن لأمر بها لو كنت مع أصدقائي أو عائلتي، سمعت منهم تجارب ووجهات نظر جعلتني أفكر بطريقة مختلفة، أرى الأمور بوجهة نظر مغايرة تماما، عرفت بعض العادات الغريبة، وأستطيع أن أقول أن بعضاً من هذه التجارب أخذتني برحلة أخرى بعيدة تماما عن الرحلة الأساسية، اكتشفت خلالها ثقافات ووجهات نظر وطرق مختلفة للتفكير.

أيضا من الأمور الجيدة في هذه الرحلات قضاء بعض الوقت بخلوه مع ذاتك، وأقصد هنا المعنى الحرفي للكلمة فقد جلست في مقاهي مزدحمة ساعات متواصلة لا أشعر ولا أتواصل بأي شكل بمن حولي، تغادر بك أفكارك المكان والزمان لتبحر وتتعمق في ذاتك بعيدا من دون أي عوائق أو فواصل تقطع حبل تفكيرك، تأملات تنقلك من مكان لآخر ومن حدث لحدث، قد يخالفني البعض لكن هذا الشعور بحد ذاته ممتع ورحلة أخرى أيضاً بالإضافة للرحلة التي أعيشها.

سألني أحدهم ممن يخالفني الرأي بموضوع السفر وحيداً حول أكثر شيء استمتعت فيه بهذا النوع من الرحلات، فأخبرته أنه الـ لا مسئولية، واقصد بذلك أنني لست مسئولا عن أحد ولا أحد مسئولا عني في تلك الرحلات، لا أهتم ولا أتنازل ولا أخاف ولا أقلق ولا أقوم بشيء إلا لنفسي فقط، الأنانية هي ركن أساسي لنجاح هذا النوع من الرحلات فلا تفكر إلا باحتياجاتك وما تريده أنت فقط، وهذا بحد ذاته إجازة للعقل والجسد من المسئوليات عموما، وأتمنى ألا يعتبر البعض هذه دعوة بالتخلي عن المسئولية اتجاه الوالدين أو الأسرة أو حتى الأصدقاء، على العكس فمن ينوي فعلا الاستمتاع برحلة كهذه عليه قضاء كافة احتياجاتهم قبل السفر.

في ختام مقالي هذا أود الإشارة لنقطتين مهمتين، الأولى أن السفر وحيداً قد لا يكون مناسب للجميع، على الرغم من عدم وجود أحد تكون مسئولاً عنه خلال الرحلة إلا أنك مسئولا عن نفسك وسلامتها، يمر المسافر وحدة في أوقات صعبة يجب أن يتعامل بها بعقلانية، وأحياناً خطرة، حيث يركز اللصوص على من يسيرون وحدهم، وتزداد احتمالية التعرض السرقة والنشل والنصب والاحتيال وغير ذلك من الأمور التي يجب أن يكون لديه الخبرة والقدرة الكافية للتعامل معها دون تعريض نفسة للخطر، أما النقطة الثانية فهي أن العديد من الأشياء التي حولنا فيها من الحسنات والسيئات الكثير، طريقة تعاملنا معها تحدد ما إذا كنا نستفيد من حسانتها أو نسيء لأنفسنا ومن حولنا بسيئاتها، والسفر وحيداً هو أحد هذه الأمور، لهذا إن لم تكن على مستعدا فعلا للاستفادة من افضل ما في السفر وحيدا فلا تقدم عليه.